Jump to content
Islamic Forum
Sign in to follow this  
Absolute truth

نظرية التَطوُّرُ، دَليلًا عَلى وجودِ اللهِ.

Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

السَّلامُ عَليكُم ورَحمَةُ اللهِ وبرَكاتُه


اِعلمْ - يا عَبدَ اللهِ - أن العقل وزير تابعٌ حيثما وجهتَه توجَّه، وما عَبَدَة الإنسانِ أو الحيوانِ أو الجمادِ أو الجنِّ أو الملاكِ - وما أهلُ الباطل جَميعا فى مُنافحتِهم عن باطلِهم بعقولهم مُتَّبِعون للعقل وإنما هم مُستَعبِدوه ؛ استَعبَدوه لأهوائهم الفاسِدَةِ فانطلَق يُقيم الحججَ الباطِلات والأدلة الواهِياتِ التى تُقيم لهم هواهم وتُرضى نفوسَهم.

فالذى أراه أنك ليس تَجذِبُك هذه "النظرية" اتِّباعا لحُجَّة أو دليل ولكن عُجْبًا بفكرة كامنة وراءها ربما هوتها نفسُك أو أُشْرِبَ بها هواك. فانظُرْ حالك فإنى أعِظُك أن تقوم لله مُحرِّرا عقلَك من عبودية الهوى واستبداد النفس وأن تتفكر قائلا لعقلك : "
قُدنى للحقيقة لا لشىء غيرِها"، واستعن بالله ولا تعجز.


قلتُ : تخيل معى أننا نعيش قبْل الآن بمائة أو مائتين من السنين،
وإذ بك اطلعت على كلام العلماء أن الشمس لها موضع ثابت فى الفضاء، فاشْتَبَهَ عليك قولُ الله سبحانه : { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) } ( يس )، فإذا ..

الأمر لا يخلو من فرضين : إما أن يقع الخطأ فى كلام العلماء أو فى كلام الله جلَّ جلاله فإن تعارض القولان فإن العقل السليم يقولُ :

أ) كلام الله لا يتعارض مع
بَدهياتِ العقل ومُسلَّماته الثابتة النهائية القطعية فما كان الله لِيخلق عقلا يحكمُ على شىء من ذاتِهِ أو صفاته أو أفعاله بالاستحالة، وما كانَ ليُخبِرَ الإنسانَ بشئٍ يَحكمُ عليهِ عقلهُ بالاستحالةِ، ونظير ذلك قولُ أهل الصليب على الثلاثة إنهم واحد وعلى الواحد إنه ثلاثة – خطأ منطقى -، وقولهم عن الأرنب إنه من الحيوانات المجترَّة وعَن الأرضِ إنَّها مُسطـَحة دائِريَّة – خطأ علمى -. فلو قال النصُّ شيئا يَحكمُ عليه العقل بالاستحالة سواء بالمنطق أو العلم كان النصُّ ساقطا ولا مُعوِّل عليه، وليس فى النصوص الإسلامية الصحيحة من ذلك شىء.

ب) إذا وقع التعارض بين النصِّ وبين قولٍ يجرى عليه الصواب والخطأ بالمنطق أو بالعلم –
أى بالاجتهاد المنطقى أو بالاجتهاد العلمى – فإن النصَّ إذا كان معلوما بطريق القطع واليقين فإنه لا يسقط لأجل قول لا يفيد إلا الظن. وقالَ اللهُ تعالى : { وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) } ( النجم )، ولأجل ذلك يدَّعى المسلمون أن النصوص المقدسة لا تكون لها قدسية إلا أن تكون ثابتة بطريق القطع واليقين وإلا جاز سقوطها لمجرد الظن، وما كان الله ليذَرَ خَلْقَه ضائعين فى متاهة الظنون كفرع يابس فى مهَبِّ الريح، فالريح القوية لا يقدِر عليها إلا شجرة راسخة .. فتأمَّلْ.

ولأنه ثابت لدينا - بسابق النظر – أن نصوص القرآن الكريم ثابتة بطريق القطع واليقين فإننا سننظر فى قول العلماء فنستدعى فى عقولنا عملية التفكير بأدواتها التى أبدعها الله تعالى لنا وأنعم بها علينا لنعرف حجية هذا القول، فأمَّا أنا فسأقيس الأمور وأقولُ لك :
إذا كان الناس يعيشون على ظهر الأرض وهى تدور حول محورها وحول الشمس ولم يعرفوا بهذا الدوران ولا ذاك، واليوم يعرفون أنهم أخطأوا ويعترفون فما لنا ندع قول من لا يُخطئ لقولِ من يُخطئ.

قلتُ : وسبحان الله العظيم، اليوم يعرفون أنهم أخطأوا ويَعترِفون.


أقولُ : فإذا كان هذا هو المنهج السليم والسبيل القويم فكيف بك تأتى حاملا كفتى ميزانٍ "
القرآنُ" فى إحداهما و"النظريةُ" فى الأخرى ؟! إن كنتَ قصَّرتَ فى تعلُّم دين الله وفهم رسالته وهجَرتَ كتابَه حتى لم تعرِفْ ما إذا كانت نصوصه ثابتة بالقطع أم بالظن أو تصح معارضتها بالقطع أم بالظن فكان الأولى بك أن ترجع إلى منابع الدين القويم تستقِى منها العلم السليم.

 

هذهِ المُجادَلةُ لا تتعلق بأدلة ثبوت "النظرية" فإنَّه بعدَ إيقاعِ النَّظرِ على هذهِ النظريَّةِ مِن جميعِ جوانبِها يَتَّضِحُ أنَّها لا تُعارِضُ وجودَ اللهِ تعالى ولا صِحَّةَ الإسلامِ على أىِّ وَجهٍ مِن أوجُهِها أو فى أصغر مسألةٍ مِن مسائِلِها، بل إنَّ الناظِرَ المُدَقِّق يستطيعُ بسهولَةٍ استخدامَها دليلاً على وجودِ اللهِ كمسألةٍ أولى، ودليلا أكبَرَ على صِحَّةِ الإسلامِ كمسألةٍ ثانية، ونحنُ لولا أنَّنا مُسلمونَ لاحتَجَجْنا بهذهِ النظريَّةِ - بل وبِعباراتِ المَلاحِدةِ أنفسِهِم فيها - على وجودِ اللهِ وصِحَّةِ الإسلامِ، ولكنَّنا مُسلِمون أهلُ حُجَّةٍ وبُرهانٍ وحَقٍّ وقُرآنٍ، لا نقبلُ قولا بغيرِ دليلٍ ولا دليلا بغيرِ حُجَّة، ونعلمُ أنَّ اعتقادَ الإنسانِ فى شئٍ غيرُ مُلزِمٍ لغيرِهِ ما لمْ يُثبتْهُ لهُ فإنْ أثبتَهُ صارَ الإلزامُ إلزامَ أدَبٍ وتهذيب لا إلزامَ قهرٍ وتعذيب.

ويَكفينا أنْ نَحتجَّ على المُلحدين بعباراتِهِم كما يقولونها فى إثباتِ خطأِ ما يَزعمونَهُ بحُجَّةٍ لا يرفضونها، أمَّا نحنُ أهلُ القرآنِ العظيمِ فحالُنا مَعَ العِلمِ يبقى أبدا كحالِ أمثالِنا مَعَ مِثلِه، لا نشبعُ مِنهُ ولا نضجُّ بهِ ولا نُنكِرُ عليهِ فى شئٍ قادنا إليهِ، نُجِّلُ العِلمَ ونُقدِّرُ العُلماءَ ونعرِفُ أنَّ
مِن إجلالِ العِلمِ وتقديرِ العُلماءِ ألا يؤخذَ العِلمُ بالظنِّ والتيهان بل بالدليل والبرهان، فنبحَثُ حقَّ البحثِ ونجدُّ عينَ الجِدِّ حتى نصلَ إلى الحقِّ المُبينِ بمَنهجيَّةٍ لا لغوٌ فيها ولا تأثيم، تقيمُ العوجَ وترفعُ الخبثَ وتُنقى حقيقةَ العِلمِ كما يُنقى الكيرُ خبَثَ الحديدِ، وتُجَنِّب العالِمَ والعالَمَ مُعالجَةَ الخطأِ المُترتِّبِ على الحقيقةِ العِلميَّة اللاحقيقيَّة واللاعِلميَّة
، نُخطئ كغيرِنا ولكنَّنا أبدا لا نستسهِلُ العِلمَ كما يستسهلونَه، ولا نُهينُه كما يُهينونه، ولا نجحدُهُ كما يَجحَدونَه.

لذلِك فهذهِ المُجادَلةُ ستُناقِشُ بإذن اللهِ تعالى مسائل أولية لا بُدّ منها بعد التوصيف فأقول :


أولا : التوصيف

أقامَ المُلحِدُ دعواه على أن "نظريَّة التطوُّرِ" تتعارض مع
وجود الله بعامة ومع دين الإسلام بخاصة، وهو لازم من إقرانه بين صدق "النظرية" وبين تحوله إلى الإلحاد وتلكما مشكلتان تتبعهما ثالثة ؛ أنه يخلط بين "فكرة" النظرية وبين تفاصيلها ومعلوم أن "النظرية" من حيث "لب الفكرة" قد تكون صحيحة بالكلية أو فاسدة بالكلية، فإن كانت صحيحة فهي من حيث تفاصيلها قد تصح بأية نسبة من النسب التي يتحقق معها مضمون الفكرة وجوهرها ؛ فإذا قلنا على سبيل المثال إن الأرض كروية فهذه الفكرة تظل صحيحة رغم أن نسبة كروية الأرض ليست تامة لوجود الانبعاج عند القطبين، فتلك ثلاث مشاكل في التوصيف نناقِشها فى المُشاركاتِ التالية.

ثانيا : هل تصلح نظرية التطور دليلا على نفي وجود الله ؟

1) الحس العقلي البدهي يقول إنه إذا كان كثير من العلماء الذين يؤمنون بنظرية التطور يؤمنون بوجود الله أيّا كانت صورة وجوده أو تعريفه سواء كإله أو كقوة عظمى أو ما سوى ذلك فلو كانت النظرية تقف من وجود الله موقف الضد ما اجتمع الضدان.


والحَقيقةُ أنَّ الناظِرَ المُتأمِّل فى عِباراتِ القومِ يجِدُها فى كمٍّ لا بأسَ بهِ مِنها تُضاهى قولَ الإسلامِ فى اللهِ جلَّ جلالُه، وأغلبُ هؤلاءِ قدْ جاوَرَهُم الصوابُ فى شِقٍّ وجانبَهُم فى آخر، فوافقهُم فى رفضِهِم لِفكرَةِ الإلهِ المصلوبِ الجاهِلِ الجبَّار "الكهل الأشقر الذى يجلسُ على عرشِ السَّماء ليُحصى خطايا البشر"، فهؤلاء الذين سبروا أغوار الكونِ مِن بدايتِه لمُنتهاهُ - حسب ظنِّهم - وغاصوا إلى أعمقِ أسرارِه وقوانينهِ لا يُمكنُ أبدا أنْ يؤمنوا بإلهٍ لا يعلمُ متى تطرحُ شجرَةُ التينِ ثمرَها ولا مَتى تحينُ السَّاعَة، فهُم فى الحقيقةِ لمْ يُنكروا وجودَ الإلهِ بعامَّةٍ ولكنَّهُم أنكروا الإلهَ الذى درجوا على مَعرِفتِه ورأوا أهليهِم يُقدِّمون لهُ فروض الولاءِ وطقوسَ العِبادَةِ أمام صورَتِه وهوَ طِفل بينَ ثديى أمِّه أو شابٌّ مُسمَّرٌ على خشبَةٍ أو بجوارِ أبيهِ الرجل الكهل الأشقر.

أمَّا الملاحِدَةُ المُسلِمون فإنِّهم يسيرونَ خلفَ هؤلاءِ على عمى وغيرِ بصيرَةٍ، ولديهِم كَمٌّ لا نظيرَ لهُ مِن الجَهلِ بدينِهِم فضلا عَن الفروقِ العظيمَةِ بين الدينيْنِ، فيكتفونَ بتردادِ ذاتِ الكلامِ الذى يُردِّدُه أسيادُهُم فمهما حاوَلتَ إسقاط كلامِهِم على واقِعِهم ما استطعْتَ إلى ذلِك سبيلا، فيُنكِرون وجودَ دليلٍ على وجودِ اللهِ تعالى أو على صِحَّةِ رسالتِه ويتمسَّكون بإيمانِهِم بالعِلمِ، بينما الواقِعُ أنَّه سواءٌ وجودُ اللهِ تعالى أو صِحَّةُ رسالته قد ثبتا جميعا بالعِلمِ لا بأىِّ طريقٍ آخرَ، هى فقط أفرُعٌ مِن العِلمِ لم يُبصَم عليها ببصماتِ أسيادِهِم الأوروبيين أو الأمريكيين مِن اليهود والنصارى والبوذيين، فهؤلاءِ لهُم فى كلِّ مزبلةٍ مَجلِسٌ وديوانٌ إلا جنَّةُ أسلافِهِم هُمْ مِنها بشرِّ مكانٍ.

أمَّا ما أخطأوا بهِ - الأوَّلون - فهوَ أنَّ كرههم لهذا الإلهِ المَزعومِ قادَهُم إلى الكُفرِ بالإلهِ بعامَّةٍ، وإن كانوا يقولون بوجوبِ توَفُّرِ صِفاتٍ مُعيَّنةٍ فى هذا الإلهِ إذا كان موجودا، ثمَّ يقولون أنَّهُ لا دليلَ على وجودِه فيُنكرون المسألةَ جميعها أو يُلقون عِبء الإثباتِ فيها على الخلقيين.

هذا يُذكِّرُنى بالمُمَثِّلةِ التى أخبروها بتاريخِ اكتشافِ الأكسجينِ فسألتْهُم "وماذا كان البشرُ يتنفسونَ قبل ذلِك"، فلا يَلزَمُ مِن عَدَمِ العِلمِ عِلمُ العَدَمِ، وعِندَ عدَمِ العِلمِ يَكفى اصطحابُ الأصل حتى يقومَ الدليلُ على غيرِهِ، فقبلَ اكتشافِ الأكسجين كان النَّاسُ يَعلمون أنَّهُم يتنفسون ويحيون بهذا النفسِ دونَ أن يُدرِكوا ماهيَتَهُ أوْ طبيعَته، وكذلِك فى وجودِ اللهِ سُبحانه فالأصلُ هوَ وجودُهُ حتى يقومَ دليلٌ على عدمِ وجودِه هكذا كانت المَسألةُ وهكذا ستبقى إلى الأبد، فما بالُنا وأنَّه قام أيضا دليلٌ على وجودِ اللهِ تعالى !


) إذا افترضنا أن النظرية صحيحة تماما في فكرتها الكلية وفي تفاصيلها الداخلية فهي أيضا لا تصلح دليل نفي لوجود الله جل جلاله بل على العكس فإن وجودها أقوى في إثبات وجود الله تعالى من عدم وجودها ؛ فإنَّها تضيف بعدا آخر للدقة والروعة والإعجاز والإبداع فى تصميم تلك المكونات الأولية التى انفجرت منها الحياة، ألا ترى معى أن الأجيال المتقدمة من الحواسب الآلية والهواتف النقالة والبشر الآليين تمتلك دائما قدرات ووظائف أكثر تقدما من الأجيال التي تسبقها، مثل قدرتها على تطوير نفسها ومعالجة أخطائها وحذف فيروساتها بل والقدرة على إنشاء برامج أخرى أو آليات أخرى، ألا ترى معى أن هذه الأجيال المتقدمة أقوى في إثبات وجود صانع ماهر خلفها من غيرها من الأجيال البدائية التي حتى وإن دلت على وجود صانع فإنها لا تدل على مهارته وتمكنه وقدرته كما تفعل هذه الأجيال المتقدمة.

وإذا كان الناس قديما لا يتصورون أن تنشأ الحياةُ مِن غيرِ موجِدٍ برغم قلة علومهم وضحالةِ معارِفهم– أفلا يكون أصعب على التصديق وأعتى على التصوُّر أن تكونَ الحياةُ قدْ انبثقت بغيرِ موجِدٍ قادِر مَع تطوُّرِ العلمِ واتساعِ مَعارِف الإنسانِ بخصوص الحياةِ واكتشاف مدى تعقيدها ودرَجةِ إبهارِها وقدرتها على البقاءِ فى أصعبِ الظروف وأعتاها مع كل ما فيها مِن تنوُّعٍ بل .... وقدرتها على التطوُّر !


أعنى مَن ذا الذى يُمكنُ أنْ يَمرَّ بطيْفِ خيالِهِ أنَّ
اللبناتِ الأولى للمادَّةِ يُمكنُ أنْ تكونَ على هذهِ الدرجَةِ المُبهِرَةِ مِن التعقيدِ والتطوُّرِ، بحيث أنَّ البشر حتى يومنا هذا - بكلِّ ما وَصلوا إليهِ مِن تِقنياتٍ وعلوم - لا يَفهمون جميعَ أحوالِها، فلا يملِكون أمامَ الإلكترونِ مَثلا سوى قوانينِ الاحتمالاتِ المُتمثلة فى "قوانين الكمِّ"، إنَّهُ أمرٌ يخرجُ عَنْ التصوُّرِ حتى أنَّه يقفُ مِن العقلِ موقِف العدوِّ أن يُقالَ أنَّ هذهِ الدِقَّة المُبهِرة - التى تفوق حدودَ الفهمِ وتتجاوَزُ أفقَ العقلِ - هىَ دليلُ نفى وجودِ اللهِ تعالى، والأفجَعُ مِن ذلِك أنْ يُقالَ أنَّ قُدرَةتِلكَ اللبناتِ الأوليَّةِ للمادَّة على تصميم اللبناتِ الأوليَّةِ للحياةِ - التى تفوقُ الأولى إبهارا وإبداعا - بحيثُ يكونُ لها القُدرَةُ على "إنشاءِ" الحياةِ ثمَّ "الارتقاء" بها، "الارتقاء" بها فقط وليسَ السقوط ولا الانحدار، "الارتقاء" المُبهِرُ والمُعجِزُ، "الارتقاء" الذى يأخذُ الألبابَ ويكتمُ الأفواه، أنْ يُقالَ أنَّ هذا دليلُ نفى وجودِ اللهِ تعالى.

إنَّها أشدُّ سخافةٍ اجترحَها العقلُ البشرىُّ على مرِّ الدهورِ، ومِن عَجيبِ الأمرِ أن ينعى أهلُ هذهِ السفاهَةِ على الخلقيين إيمانَهُم بوجودِ اللهِ تعالى.



ملحوظة : أسقطنا هُنا حَلقةً مُهمَّة هىَ "اللبناتُ الأوليَّة للطاقة" التى "أنشأت" و"ارتقت" بـ"اللبنات الأوليَّة للمادَّة" فإنَّ الحديثَ عَن ذلِك يحتاجُ إلى قُدْراتٍ لا نَملِكُها نحنُ المُتكبرون على خالِقِنا !

) نظريَّة التطوُّر لا يُمكُن أن تُعارِض مبدأ وجودِ اللهِ بداهة لأنَّها لا تبحَث أساسا فى أصلِ الحياةِ أو مبدأ الوجود؛ فغايةُ النظريَّة بجميعِ صوَرِها هى البحثُ فى الطريقةِ أو الآليَّة التى تطوَّرت بها الحياة، فهىَ تتعامَلُ مَع الحياةِ باعتبارِها شيئا موجودا بالفِعل، وذلك بتثبيتِ فرضيَّة أوَّليَّة تقضى بأنَّ الحياة تطوَّرت – وتِلك مُشكلة سنتعرَّض لها لاحقا – فحتى لو افترضنا أنَّ الحياة تطوَّرت بالفعل وحتى لو اكتشفنا الآليَّة التى تطوَّرت بها وأثبتنا ذلِك حتى صارَ مِن الحقائق العِلميَّة تبقى مسألةُ وجودِ اللهِ تعالى ثابتة كما كانت قبلا، فاللهُ تعالى مَعروف فى جميعِ الثقافاتِ والأديانِ وحتى الفلسفات بكونِه "العلة الأولى" أو "المُنشئ" أو "المُبدئ" أو "سبب الوجود" أو "الأوَّل"، فحتى لو ثبتت النظريَّة علميا فلن تفيدَ فى مسألةِ وجودِ اللهِ تعالى أكثرَ مِمَّا تفيدُه الحقيقةُ العلميَّة التى تقولُ أنَّ الإنسانَ يدخلُ إلى الحياةِ بسبب تلقيحِ بويضة الأمِّ بالحيوانِ المنوىِّ للأبِّ، ولم نَجِد عاقِلا فى الكونِ كلِّه يقول أنَّ هذهِ الحقيقة تنفى وجودَ اللهِ تعالى لأنَّه لا يخلق الإنسانَ بيديه .. هذا الأمرُ أشبَهَ بأن نقولَ أنَّ الطائرات التى تطيرُ بغيرِ طيَّارٍ تنفى وجودَ الإنسانِ لأنَّها تطيرُ بغيرِ طيَّارٍ، أو أنَّ السيارة التى أنتجها مَصنعٌ آلىٌّ بالكامِل تنفى وجودَ الإنسانِ لأنَّها لا تحتاجُ فى صِناعَتها إلى تدخُّلِ الإنسان، وهذا فاسِدٌ كما ترى.

فلو أخذنا هذهِ السلسلة فقلنا أنَّ سبب وجودِ الإنسانِ أبواهُ فما سببُ وجودِ أبوَيهِ ؟ فما سببُ وجودِ أبوى كلٍّ مِنهما ؟ وهكذا كلَّما صعدنا فى السلسلة سيُصيبنا التعبُ ولن نصِل إلى السبب الأوَّل .. هذا لا يعنى أنَّ السببَ الأوَّل غيرُ موجودٍ وإنَّما يَعنى أنَّ السلسلة طويلةٌ بما لا نقدِرُ مَعهُ على الخروجِ مِنها إلا لو اعتمدنا طريقةً أكثرَ شموليَّةٍ وتجريدٍ مِن هذهِ الطريقة؛ فبدلا مِن أن نبحث عَن سببِ وجودِ كلِّ حلقة مِن حلقاتِ السلسلةِ فإنَّنا نسألُ : ما سببُ وجودِ الإنسانِ الأول ؟، أى الحلقة الأولى مِن هذهِ السلسلة، فالأمرُ هُنا أشبَه بالخوارزميَّاتِ .. فبدلا مِن أن نُجرى المُعادلة ذاتها مائةَ مرَّةٍ فإنَّنا نضعُ لها قانونا واحدا نقومُ فيهِ بتجهيلِ القيمةِ محلِّ المُعادلة، ونفسُ الفِكرَةِ فى البرمجة الشيئية المُرتبطة – Object Oriented Programming(OOP)- ونفسُ الفِكرَةِ فى الخلق؛ السؤالُ هوَ : ما سببُ وجودِ الحلقةِ الأولى مِن السلسلةِ ؟


نظريَّةُ التطوُّرِ إذا لا تعدوا إلا أنها تربطُ عِدَّة سلاسِل ببعضها مُكوِّنة سلسلة أطولَ؛
فبدَلَ أنْ يكونَ آدمُ هوَ الحلقةُ الأولى فى السلسلةِ فإنَّها تُخبِرُنا أنَّه الحلقةُ الأخيرَةُ فى سلسلةٍ سابِقةٍ على هذهِ السلسلةِ ولتكُن "سلسلة القرود" هذا لا يحلُّ المُعادلة لأنَّ هذهِ السلسلة الجديدَة أيضا لها حلقةُ بداية، ولو افترضنا صِحَّة النظريَّةِ فسنصِل إلى "الخليَّةِ الأولى" ونسألُ : كيفَ وُجِدَت ؟

سؤال "كيفَ وجِدَت الخليَّة الأولى" لا توجَدُ عليهِ حتى الآن إجابَةٌ علميَّة واحِدَةٌ، فمازالت ثمَّة ثغرَةٍ فى السلسلة .. هُنا يصرُخ المُلحِدون "نحنُ لا نؤمنُ بإلهِ الثغراتِ" أى الإلهِ الذى يتمّ إدخالُهُ إلى المُعادَلةِ كلَّما وُجِدَت ثغرَةٌ فيها – فمَثلا كانَ النَّاسُ قديما يُدخلون "الفِعل الإلهى" فى وقوعِ "المطر" لجَهلِهم بسبب وقوعِه ثمَّ اكتَشفَ العِلمُ أنَّ السببَ ليسَ "الفِعل الإلهىَّ" ولكنَّه تلاقُحُ السحبِ الذى سَبَبُه الرياحُ الذى سببُها ...... إلخ.

لاحِظ أنَّ الفِعلَ الإلهىَّ قائمٌ فى كلِّ حَلقاتِ السلسلةِ عِندَ المؤمنين، تماما كما أنَّ مَهارَة المُبرمِج قائِمَةٌ فى كلِّ عمليَّةٍ يؤديها البرنامَجُ رغمَ أنَّه لمْ يَصنَع غيرَ كِتابَة الكودِ ثمَّ البرنامَجُ يعملُ مِن خلالِ سلسلةٍ طويلةٍ مِن الأحداثِ "Events" المُبرمَجةِ باكواد "Codes" مُرتبطةٍ بأدواتٍ "Objects" وبيانات "Data" أو مُدخلاتٍ "Entries" .. فكلُّ مراحِلِ هذهِ السلسلةِ مُرتبطةٌ بالمُبرمِج الذى صمَّم الأداة وخلق لها حدثا وربطه بكودٍ يُعالِجُ بهِ البياناتِ المُدخلةَ أو المَحفوظَةَ فى أداةٍ أخرى، ثمَّ نرى دائِما أنَّ المُبرمِج لا يتدخلُّ فى عمَلِ برنامجه لأنَّه صمَّم هذا البرنامَج أساسا ليقومَ هوَ بالعملِ، فمُبرمِجُ الآلةِ الحاسِبة لا يقومُ بنفسهِ بحسابِ المُعادلاتِ وكذلِك صانِعُ السيارةِ لا يقومُ بنفسه – على ظهرِه مثلا - بنقلِ الركاب، فكذلِك اللهُ دائما ظاهِرٌ فى كلِّ حلقةٍ مِن حلقاتِ السلسلةِ بوصفِه المُسبِّب وليسَ بوصفِه السبب.

المُلحِدون يرفضونَ هذا التوصيفَ فيقولون "ليسَ مَعنى أنَّنا لا نعرِف كيفَ نشأت الخليَّة الأولى أنَّ اللهَ هو الذى أنشأها"، لهذا فسنفترِض أنَّهُ تمَّت الإجابَةُ على هذا السؤالِ ونستمِّرُ صعودا فى السلسلةِ .. نشأت الخليَّةُ الأولى مِن مَجموعَةٍ مِن المُركباتِ العضويَّة، هنا فى هذهِ الحلقة تحديدا ينتهى دورُ نظريَّة التطورِ بل وينتهى دورُ عِلمِ الأحياءِ تماما، ويتوجَّبُ علينا أنْ نُغادِرَ فصلَ الأحياءِ لندخلَ فصل الفيزياءِ لنبحثَ فى منشأِ الذراتِ، لنكتشِف أنَّنا يتوجَّبُ علينا أن نأخذ مُقرَّرًا عَن "فيزياءِ الكون" لنصلَ إلى الأصولِ الأولى للكونِ.

لاحِظ أنَّ هذهِ الرِحلة تستمرُّ مَع الخالِقِ دونَ أن تنكسِرَ فى أىِّ حلقةٍ مِن حلقاتِها بينما ينتهى تماما دورُ علمِ الأحياءِ بجميعِ فروعِه، لهذا نقولُ أنَّ النظريَّة لا يُمكنُ أبدا أن تكونَ دليلا على عدمِ وجودِ اللهِ تعالى أو حتى شبهَ دليلٍ على ذلِك.


المُحصِّلة النهائيَّة بعدَ تتبُّعِ جميعِ السلاسِل تعودُ بنا إلى نُقطةِ البداية والتى تقودُنا إلى فرضٍ مِن اثنين

• البدايَةُ أزليَّة
• البدايَة مَخلوقة


والبدايَة الأزليَّة فى أبسَطِ دلالاتِها تُسقِطُ اعتراض المُلحدين على وجودِ اللهِ تعالى؛
فلو كانَ الكونُ أزليا فما المانِعُ أن يكونَ لهُ خالِقٌ أزلىٌّ ؟

ولو كانت البدايَةُ مَخلوقة فلا شكَّ أنَّ خالقها سيكونُ لهُ قوانين مُختلفة عن قوانينها، ولا يوجَدُ ما يَمنعُ عقلا أن يكونَ هذا الاختلافُ فى قانونِ السببيَّةِ ذاته، فيكونُ الخالِقُ غيرَ حادِثٍ ولا خاضِعٍ للأسباب، وذلِكَ هو اللهُ تعالى.

لاحِظ أنَّ هذا التسلسل المنطقى فى التفكيرِ حدَث بعدَ التسليمِ التامِّ بجميعِ ما يقولُه التطوريون، مِمَّا يوضِّح أنَّ كلامَهُم كلَّه لا قيمَة له فى مسألة وجودِ اللهِ تعالى.



) الاعتراضُ الوحيدُ لدى التطوريين على مسألةِ وجودِ اللهِ تعالى هوَ الذى سَمِعتُه مِن أحدِ كِبارِ عُلمائِهِم فى مُناظرَةٍ بينَه وبين أحدِ الخلقيين، مُفاده : إنَّ عمليَّة التطوُّرِ لا تحتاجُ أساسا لأىِّ تدخلٍّ إلهىٍّ.

كان هذا اعتراض كبيرِهِم وهوَ مُتهافِتٌ كما سيتبينُ بعدُ، ولكِن أوًّلا دعنا نزيدُ كلامَهُ وضوحا فنقول : إذا افترضنا أنَّ الخالِق ليسَ لهُ وجودٌ وأنَّ الحياة نشأت مُصادَفة فإنَّها كانت ستتطوَّر بنفسِ الصورَةِ التى هى عليها،
فالعُنصُرُ الإلهىُّ ليسَ لهُ لزومٌ أوْ ظهورٌ فى تِلكَ العَمليَّةِ سواءٌ بالطريقِ المُباشِرِ أو غيرِ المُباشِر.

وكما قلتُ فهذا مِن أغربِ القولِ وهوَ مِمَّا يجعلُ المرءَ يَعجبُ مِن المُلحدين إذ يكونُ أمثالُ هذا الرجلِ مِن كِبارِهِم والذين يرجعون إليهِم، وقدْ أشرتُ فى سابقِ كلامى إلى عِدَّةِ مسائلَ تخرقُ هذا الاعتراض فى عِدَّةِ نواحى لذا فسأُجمِلُ هُنا قدرَ المُستطاع إلا فى نقطةٍ واحِدَةٍ لأهمِّيتِها.

أ‌) سبَقَ وقُلنا أنَّ استمرار السلسلةِ فى التتابُعِ الآلىِّ دون الحاجَةِ إلى تدخُّلٍ مُباشِرٍ أقوى فى التدليلِ على وجودِ اللهِ تعالى، فكلَّما زادَ انتظامُ السلسلةِ وزادَ الإتقانُ فى آليَّةِ عمَلِها كلما دلَّ ذلِك باطرادٍ على مَهارةِ ودِقَّةِ صُنعِها.

مُنذ ما يُقاربُ السنةَ كنتُ أعمَلُ على نظامِ تشغيل "Windows XP" وأظنُّ أنَّه تقنيَةٌ تكنولوجيَّةٌ مُتطوِّرَةٌ، فإذا بى عِندما انتقلتُ إلى نظامِ "Windows 7" أرى الأوَّل أشبهَ شئٍ بالجحيمِ، السببُ فى ذلِك أنَّ الأوَّل كان يحتاجُ إلى عمليَّاتِ إصلاحٍ مُتعدِّدَةٍ ومُتقارِبَةٍ وبالرغمِ مِن ذلِك لا يتحمَّلُ أكثرَ مِن ثلاثةِ أشهرٍ فيتمُّ استبدالُه، بينما الثانى منذ اليومِ الذى قمتُ فيهِ بتركيبهِ لم يحتَج لإصلاحٍ أو استبدالٍ ولا مرَّة واحِدة، هذا لا يدلُّ مِن وِجهَةِ نظرى على أنَّهُ ليسَ لهُ مُصمِّمٌ وإنَّما يدلُّ على أنَّ لهُ مُصمِّمٌ ماهِرٌ ومُقتَدِرٌ.

فكونُ المُلحدينَ يرونَ فى استمرارِ سلسلةِ الحياةِ لملياراتِ السنين دون انقطاع، بل وتدرُّجِها مِن البساطةِ للتعقيدِ، بل وتنوُّعِها المُتزايدِ عبرَ العصورِ، بل وتناسقها الشديد فى كلِّ عَصرٍ مِن العصورِ مَع بعضِها البعض ومَعَ الطبيعةِ المُحيطَةِ بها .. كونُ المُلحِدِ يرى فى كلِّ ذلِك دليلا على عدَمِ وجودِ اللهِ تعالى فهذا أمرٌ يَدعو للتساؤلِ بخصوصِ قُدراتِه العقليَّة.

ب) العلماء التطوريون أنفسُهُم يقولون أنَّ الأرض مرَّت عليها ظروفٌ غايَةٌ فى القساوَةِ والتطرُّف خلال عُمرها الذى يصلُ إلى 4.6 بليون سنة، سواءٌ بسقوطِ الشهب والنيازِك أو انفجار البراكين أو تكون الجليدِ أو ذوبانه فى العصورِ الجليديَّةِ المُختلفة، فهذهِ القشرَةُ الصلبةُ أو المياهُ السائلةُ أو جزيئاتُ الهواءِ الغازيَّةِ قدْ مرَّت جميعها بتشكيلاتٍ مُتباينة مِن الظروفِ القاسيَةِ بل والمُتطرِّفة فى قسوتِها، وبالرغمِ مِن ذلِك إلا أنَّنا نرى الحياة تغزو هذهِ الطبقاتِ الثلاث غزوا يبدو مُنظَّما ومُتكاملا حتى أنَّها لتفرِضُ اليومَ سطوتَها وهَيمَنتها على الطبقاتِ الثلاثِ فى احتلالٍ مُحكَمٍ يُميِّزُ كوكبنا عَن سائِر كواكِب الكونِ ولا يحتاجُ مَعهُ الناظِرُ إليهِ إلى التدقيقِ لإيجادِ الحياةِ، بل إنَّه يُدركُ بالنظرَةِ الأولى وقبل حتى أنْ يتجاوزَ الطبقة الغازيَّة أنَّ هذا الكونَ عامِرٌ بالحياةِ أشدَّ ما يكونُ العمارُ.

ثمَّ ومعَ هذا الغزوِ المُتكامِل لا نجِدُ أىَّ عيبٍ أو قصور فى أىِّ كائنٍ حىٍّ بل على العكسِ مِن ذلِك، دائما تجدُ الإبداعَ والجمالَ والدقَّة المُتناهيَة والتناسُق المُذهِل والتخصصيَّة المُعجِزَة، وهذا أبدا لا يُمكنُ أنْ يقعَ فى الذهنِ أن يكونَ عشوائيا يَخبِطُ على غيرِ هُدى لا سيَّما فى ظلِّ كلِّ الظروفِ التى مرَّت بها الأرضُ، ولا سيَّما وقدْ قرَّرَ المُلحِدون أنَّ السلسلة استمرَّت منذُ البدايةِ دونَ أن تنكسِرَ وتبدأ مِن جديدٍ ولا مرَّةً واحِدة.



جـ) هذهِ الحُجَّةُ الغريبَةُ المُتهافِتَةُ وإنْ سلَّمنا بصِحَّتِها – وهىَ فاسِدَةٌ - ووافقنا المُلحِد على أنَّ التطوُّرَ يحدُثُ بطريقةٍ آليَّةٍ لا تحتاجُ لوجودِ الخالِقِ فإنَّها تبقى أشبَه بالقولِ بأنَّ البشرَ غيرُ مَخلوقين لأنَّهم يتوالدون بقوانينِ الوِراثةِ دونَ حاجَةٍ لوجودِ خالِق، وهذا القولُ الغريبُ لا يُستساغُ لا بالعقلِ ولا بالمَنطِقِ أو حتى بالمُشاهَدَةِ، وقدْ تكلَّمنا فى هذا كثيرا، فالحاصِلُ أنَّ حُجَّة المُلحِد قدْ تنفى احتياجَ الحياةِ للخالِق فى تطوُّرِها ولكنَّها لا تَصلحُ لنفى احتياجِها لهُ سُبحانه فى نشأتِها ومَبدأ أمرِها، فكلامُه والعَدَمُ سواءٌ.

د) الأمرُ الخطيرُ فى كلامِ هذا الرَّجُلِ – مِن وِجْهَةِ نظرى – ويحتاجُ إلى توقُّفٍ وتأمُّلٍ كبيرين – عكس سائر كلامِ المُلحدين – يظهرُ باستقراءِ مَنهَجِ القومِ فى التدليلِ والإثباتِ، فالمُلحِدون يبدأون فى افتراضِ أنَّ اللهَ غيرَ موجودٍ ويُخرجون العُنصرَ الإلهىَّ مِن الصورَةِ تماما دون دليل، ثمَّ عِندما تسألُهُم عَن دليلِهِم على عدمِ وجودِ اللهِ يقولون : "دليلنا أنَّهُ غيرُ موجودٍ فى الصورَة" بالرَّغمِ مِن أنَّ عدَم وجودِه كان بسبب إقصائِهم لهُ بغيرِ دليلٍ على هذا الإقصاء.

دعنا مَثلا نأخذُ الداروينيَّة القديمة : افترَض داروين أنَّ التطوُّر يحدُث بطريقةِ "الانتخابِ الطبيعىِّ"، إذا فعِندما تسألهُ "ما هىَ آلياتُ التغيِّير ؟" يُجيب "الانتخابُ الطبيعىُّ" .. المُفترَضُ أن تكونَ إجابَتُهُ "إمَّا الانتخابُ الطبيعىُّ وإمَّا التدخل الإلهىُّ" ولكنَّهُ يبدأ بإقصاءِ العُنصُرِ الإلهىِّ فيقصُرُ آليَّة التغيير على "الانتخابِ الطبيعىِّ" دونَ سِواهُ .. فهوَ يبدأ بإقصاءِ العُنصرِ الإلهىِّ دونَ أنْ يكونَ لديهِ دليلٌ على عدَمِ تدخله .. للتوضيحِ أقولُ : نحنُ نؤمنُ أنَّ البشرَ يتوالدون باللقاءِ الجنسىِّ فهذه آليَّةُ التكاثُرِ حسَب عِلمِنا، ولكنَّنا مَع ذلِكَ نؤمنُ أنَّه قدْ يتدخل العامِلُ الإلهىُّ فى الصورَةِ فيتكوَّنُ لدينا "المسيح بن مريم" كمولودٍ بغيرِ الآليَّةِ الطبيعيَّةِ للولادَةِ .. وبالمِثل قدْ تكونُ الآليَّة الأصليَّةُ فى التطوُّرِ هىَ "الانتخابُ الطبيعى" أو "الطفرات" أو ..... إلخ ولكنَّ هذا لا يَمنَعُ أن يتواجَدَ العُنصرُ الإلهىُّ فى أىِّ حلقة مِن الحلقاتِ سواءٌ بالخلقِ المُباشِر أو مَنعِ التطوُّرِ أو تأجيله أو تهيئةِ الظروف لتسريعِه أو غير ذلِك بأىِّ صورَةٍ مِن صوَرِ التدخل .. والمُلحِدُ لا يَقبلُ بهذا الاحتمالِ دونَ أن يكونَ لديهِ دليلٌ وحيدٌ على مُدَّعاهُ، ثمَّ بعدما يُقرِّرُ المُلحِدُ أنَّ التطوُّرَ حدَثَ بغيرِ تدخلِ العُنصر الإلهىِّ – دونَ دليلٍ – وتسألُه أنتَ عَن دليلهِ على عَدَمِ وجودِ اللهِ يقول : "لأنَّ العمليَّةَ تتمُّ بالكامِل بصورَةٍ آليَّةٍ فلا تحتاجُ لعُنصُرٍ إلهىٍّ".

هذهِ الصورَةُ أشبَهُ بمَن يقولُ لكَ : "فلانٌ أبو عِلان" فتسألُه : "ما دليلُك ؟" فيقول : "دليلى أنَّ عِلان هوَ ابنُ فلان"، فتسأله : "وما دليلُك على أنَّ عِلان هوَ ابنُ فلان ؟" فيُجيبُ : "أليسَ قدْ قلنا مُنذُ قليلٍ أنَّ فلان هو أبوه إذا يجبُ أن يكونَ علانٌ ابنَه" !

والحقيقةُ أنَّها مُصيبَةٌ كَبيرَةٌ أنْ تكونَ هذهِ الطريقة التى يُفكِّر بها عُلماءُ اليومِ، والطامَّة الكبرى أنْ تكونَ هذهِ المَنهجيَّة هىَ التى يتمُّ تدريبُ الأجيالِ الجديدةِ مِن العُلماءِ عليها، إنَّها تُمثِّلُ "
هرطقة" فى مَنهجيَّةِ العِلم وأدبياتِه، و"كفرا" بكلِّ ما أسسه علماءُ المُسلمين الأوائل ونقلوهُ إلى مَن وراءَهُم مِن قواعِد البحثِ العِلمىِّ التجريبىِّ، و"رِدَّة" عَن كلِّ ما اختزنتْهُ الأجيالُ المُتلاحِقةُ مِن البشرِ مِن قواعِد أصوليَّة فى التعاطى مَع الحقائِقِ العِلميَّة.

بَقيَت مُشكلتانِ هُما : التعارضُ بينَ "
التطوُّرِ" و"الإسلام"، والفرقُ بينَ "الفِكرةِ" و"التفاصيل".

Share this post


Link to post
Share on other sites
PropellerAds

ثالثا : التعارُض بين نظريَّة "التطوُّر" وبين دين "الإسلام".

"
التعارُض" مسألةٌ مُتَّسِعَةٌ ومُتشعِّبَة وهىَ مسئولَةٌ عَن قِسمٍ كَبيرٍ مِن مَسائِلِ "سوءِ الفهمِ" وبالتالى "سوء التقدير" أو "سوء الحُكم" فى العَقلِ البشرىِّ، وسبَبُ ذلِك هوَ التخبُّط فى حُسنِ تصوُّرِ "التعارُض" بينَ القضيَّتين أو القضايا التى يَدرُسُها العَقل، ولو أخذنا مِثالا لقضيَّتين مَشهورَتينِ مَنظورَتين هُما "حصولُ النَّهارِ" و"حصولُ الليل" نجِدُ اختلافا كبيرا فى "التصوِّير" وبالتالى "التقدير" فى الحالاتِ الثلاثِ التاليَة :

• "النهارُ حاصِلٌ بعدَ الفجرِ والليلُ حاصِلٌ بعدَ مَغيبِ الشمسِ"
• "النهارُ والليلُ حاصِلان الآن فى مِصر"
• "النَّهارُ والليلُ حاصِلان الآن"

فى الجُملة الأولى يكونُ "التصويرُ الذهنىُّ" نتيجَتُه "
عَدَمُ التعارُض" لاختلافِ الظرفِ المُتصِّل بالقضيَّتين - حصول النَّهارِ وحصولُ الليل – فلا تَعارُض.

وفى الجُملتين الثانيَةِ والثالثةِ يَقعُ التعارُض لاتحادِ الظرفِ، ولكنَّ الفارِق بينَ الجُملتين أنَّ
الجُملة الثالثة تُمثِّلُ تعارُضا "يُمكن دَفعُه" بينما الجُملَة الثانية تُمَثِّل تعارضا "لا يُمكِنُ دَفعُه" أو بصورَة أكثرَ تحديدا "تناقضا".

فَعِندما نَقولُ أنَّ
النَّهارَ والليلَ حاصِلانِ الآنَ فقَدْ اتَّحدَ الظرْفُ الزمانىُّ دونَ تحديدٍ للظرفِ المكانىِّ فيكونُ الاحتِمالُ الأقربُ للعَقلِ أنَّ الظرْف المَكانىَّ مُختلِفٌ؛ بِمَعنى – مَثلا – "النَّهارُ حاصِلٌ الآنَ فى مِصرَ والليلُ حاصِلٌ الآن فى أمريكا" فيُمكنُ دَفعُ التعارُضِ بهذا التصوُّرِ، أمَّا الجُملَة الثانيَة فقد اتَّحدَ فيها الظرْفان الزمانىُّ والمكانىُّ بحيثُ لمْ يَعُد بالإمكانِ دَفع التعارُضِ بين القضيَّتين، فيُصبِحُ ثمَّة تناقُضٍ بينهُما بحيثُ يلزمُ مِن صِحَّةِ إحداهُما فسادُ الأخرى.

هذهِ مُقدِّمةٌ لابُّدَ مِن استيعابِها قبلَ البحثِ فى التعارُض بينَ دينِ الإسلامِ ونظريَّةِ التطوُّرِ حتَّى نستطيعَ الفصلَ بينَ ما إذا كانَ ما بينَ الإثنينِ تعارُضٌ – يُمكنُ دَفعُه - أم تناقُضٌ أم توافُقٌ وانسِجامٌ.

1) الإسلامُ يُخبِرُ عَن المُسبِّب ، والعِلمُ يُخبرُ عَن السبَب :

ومَعنى ذلِك أنَّ الإسلامَ قَضيَّته الأساسيَّة الإخبار عَن اللهِ جلَّ جلالُه، وهذا فارِقٌ جَوهرِىٌّ بينَهُ وبينَ العِلمِ الذى قضيَّتُهُ الأساسيَّةُ القوانينُ والنُّظمُ التى أبدعَها اللهُ سُبحانه؛ فالإسلامُ يعنى بالبحثِ عَن المُسبِّب الرئيسى للوجودِ – بكل ما يحتويهِ هذا الوجودُ – بينما يعنى العِلمُ بجميعِ نظريَّاتِه بالبحثِ فى الأسبابِ التى يَشتمِلُ عليها هذا الوجودُ.

وبالمِثالِ أقول : إذا خاطَبَ رئيسُ الدَّولةِ الشعبَ قائلا "أعطيتُ أوامِرى للظباطِ والجنودِ بالانسحابِ" فإنَّ هذا لا ينفى أنْ يكونَ الرئيسُ قدْ أصدرَ الأمرَ للقيادَةِ العامَّةِ والتى بدورِها نقلتْهُ لقيادَة الأفرُعِ ثمَّ الوحداتِ ثمَّ الفِرَق، فلو شهدَ بعضُ الجنودِ أنَّهُم أخذوا أوامِرَهُم مِن قائِدِهِم المُباشر، فلا يتصوَّرُ البعْضُ وجودَ تعارُضٍ بين كلامِ الرئيسِ وكلامِ الجنودِ، فحاصِلُ الأمرِ أنَّ نسألَ هذا القائدَ مِن أينَ تلقى هذا الأمرَ فيدلَّنا على قائِدِه، فنتتبَّعَ هذهِ السلسلةَ صعودا حتى نصِلَ إلى رئيس الجُمهوريَّة – وهوَ الحلقةُ الأخيرَةُ التى تنتهى عِندها السِلسِلة فهوَ مَصدَرُ الأمرِ ومُنشئُهُ، وجميعُ الحَلقاتِ التاليةِ لهُ ليسَتْ سوى ناقلاتٍ لهذا الأمرِ الأوَّل.

والحَقيقةُ أنَّ هذا المبدأ الهامَّ هوَ أساسُ التفكيرِ المَنطقىِّ فى هذهِ المسألةِ؛ فإنَّه لا حاجَة لدينٍ يُخبِرُ عَن الأسبابِ لأنَّ البشرَ قادرونَ على التوصُّلِ لها بالعِلمِ – واللهُ تعالى قدْ أبدَعَ هذا الكونَ على هذهِ النظمِ والمقاييسِ والقوانينِ الدقيقةِ والمُبهِرَةِ، ثمَّ وهَب البشرَ عقولا قادِرَة على اكتشافِ هذهِ القوانينِ والنظمِ وفهمِها والتعامُلِ مَعها بل وتطويعِها، ولكِن تبقى حلقةٌ واحِدَةٌ مَخفيَّةٌ وهىَ الأكثرُ أهميَّة وهىَ الحَلقةُ الأولى فى هذهِ السلسلةِ التى تنتهى إليها السلسلةُ ويَظهرُ أثرُها فى جميعِ حلقاتِها، هذهِ الحَلقةُ هىَ اللهُ جلَّ جلالُه.

فإذا قالَ الإسلامُ أنَّ اللهَ يُنزِلُ مِن السماءِ ماءا فلا تَعارُض بينَ قولِه وبينَ قولِ العُلماءِ أنَّ السحابَ هوَ الذى يُنزِلُ الماءَ، ولو قالَ الإسلامُ أنَّ اللهَ يُسيِّرُ الجبال فلا تَعارُض بينَ قولِه وبينَ قولِ العُلماءِ أنَّ الذى يُسيِّرُها هوَ الصهارَةُ السائلةُ أسفلَ الصفيحَةِ التكتونيَّة، فالعِلمُ يتتبَّعُ الأسبابَ والدينُ يخترِقُها ليُخبِرَ عَن المُسبِّب الأوَّل، تماما كما كانَت مُهمَّة الرئيسِ أنْ يُخبِرَ عَن نفسِهِ كصاحِبٍ للأمرِ لا عَن الأسبابِ التى استخدَمها لإيصالِ الأمرِ وتنفيذِه.

http://www.hurras.org/vb/showthread.php?t=47309

Share this post


Link to post
Share on other sites

Create an account or sign in to comment

You need to be a member in order to leave a comment

Create an account

Sign up for a new account in our community. It's easy!

Register a new account

Sign in

Already have an account? Sign in here.

Sign In Now

Sign in to follow this  

×